ابن الفارض
230
تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )
إخوانه حيث قال : واشوقاه إلى إخواني وقرب الأخوة مما لا يخفى ؛ كما قال : وللأولياء المؤمنين به ولم * يروه اجتبا قرب لقرب الأخوة قوله : ( وللأولياء ) خبر مبتدؤه ( اجتبا قرب ) ، وإضافة الاجتباء إلى القرب إضافة النسب إلى سببه ، أي : اجتباه بسبب قربه ، وعلّل القرب بقوله : ( لقرب الأخوّة ) ، والضمير في ( به ) للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله : ( ولم يروه ) جملة حالية معترضة بين الخبر والمبتدأ ، أي وللأولياء المؤمنين بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، والحال أنهم لم يروه لتقادم عصره فضيلة اجتباه قربه حيث فازوا بنسبة أخوته لقربها . روي أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال يوما لأصحابه : « أتدرون أي الإيمان أعجب ؟ فقالوا : إيمان الملائكة ، فقال : وأي عجب من إيمانهم وقد شاهدوا الملكوت ؟ قالوا : فإيمان الأنبياء ، قال : فأي عجب من إيمان الأنبياء وقد يسمعون الخطاب ويتشهادون ؟ قالوا : فإيماننا معشر أصحابك ، قال : فأي عجب من إيمانكم وقد رأيتموني ورأيتم المعجزات ؟ قالوا : فأيّ الإيمان أعجب يا رسول اللّه ؟ فقال : إيمان قوم يأتون من بعدي يؤمنون بسواد على بياض » ، ولما كان قربهم من الرسول معنويّا ، والمعنى ينزع إلى الصورة ، قال : وقربهم معنى له ، كاشتياقه * لهم صورة فأعجب لحضرة غيبة إضافة القرب إلى ضمير المؤمنين إضافة المصدر إلى المفعول ، وإضافة الاشتياق إلى ضمير النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إضافة إلى الفاعل ، والاشتياق بمعنى شوق ههنا ، وإضافة الحضرة إلى الغيبة من حيث إنهما حالان بشيء واحد ، يعني : وقرب الأولياء الحاصل للرسول صلى اللّه عليه وسلم من حيث المعنى كاشتياقه إليهم من حيث الصورة واجتماع القرب والاشتياق عجب ؛ لأن الاشتياق يكون ببعيد ، فكيف يتصوّر إلى القريب ، فلذلك قال : ( فأعجب بحضرة غيبة ) ، وفي عبارته ما يشعر بالجواب عنه ؛ لأنه قيّد القرب بالمعنى ، والاشتياق بالصورة أي المشوق صورتهم والقريب معناهم فالحاضر غير الغائب وشبه القرب المعنوي بالاشتياق الصوري في الثبوت والوجود لشيء واحد ؛ كما يقال : زيد كاتب ، كما هو صانع ، أي : كما أن اشتياقه إليهم ثبت صورة ، فكذلك قربه منهم ثبت معنى ، ثم لما أومأ إلى كمال نبوّة الرسول - عليه السلام - وختمه الرسالة أعقب بالحكاية عن بعض أحواله بلسان الجمع ، فقال : وأهل تلقّى الرّوح باسمي دعوا إلى * سبيلي وحجّوا الملحدين بحجّتي ( التلقّي ) : الأخذ والاستقبال ، والمراد ب ( أهل تلقّي الروح ) : الأنبياء ، والمراد ب ( الروح ) : جبريل ، و ( بالسبيل ) : طريق التوحيد ، و ( بالاسم ) ما غلب على كل شيء